الواحدي النيسابوري

250

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

هذا القول تعجّب ، كقولك : ما أحسن زيدا ! ومعنى التّعجّب من اللّه : أنّه يعجّب المخاطبين ويدلّهم على أنّهم قد حلّوا محلّ من يتعجّب منهم . وقال السّدّى : هذا على وجه الاستفهام ، ومعناه : ما الّذى صبّرهم ، وأىّ شئ صبّرهم على النّار ؛ حين تركوا الحقّ واتّبعوا الباطل ؟ « 1 » . و « ما » على هذا القول للاستفهام لا للتّعجّب . و « أصبر » بمعنى : صبّر « 2 » ، مثل : كرّم وأكرم . 176 - وقوله : ذلِكَ إشارة إلى قوله : ( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) « 3 » أي : ذلك العذاب لهم . بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ يعنى : التّوراة ، فاختلفوا فيه ؛ أي : آمنوا ببعض ، وكفروا ببعض . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ أي : لفى خلاف طويل . وذكرنا معنى « الشّقاق » فيما سبق « 4 » . 177 - وقوله عزّ وجلّ : لَيْسَ الْبِرَّ وقرئ نصبا « 5 » ورفعا ؛ وكلاهما حسن ؛ لأنّ اسم ليس وخبرها اجتمعا في التّعريف ، فجاز أن يكون أحدهما أيّهما كان اسما « 6 » ، والثّانى خبرا . قال ابن عباس ومجاهد والضّحّاك وعطاء : كان الرجل في ابتداء الإسلام إذا شهد الشّهادتين ، وصلّى إلى أىّ ناحية كان ، ثم مات على ذلك وجبت له الجنّة ؛ فلمّا هاجر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، ونزلت الفرائض ، وحدّت الحدود ، وصرفت القبلة إلى الكعبة - أنزل اللّه هذه الآية فقال : [ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ

--> ( 1 ) على ما في ( تفسير القرطبي 2 : 236 ) و ( البحر المحيط 1 : 495 ) و ( مجاز القرآن لأبى عبيدة 1 : 64 ) . و ( الوجيز للواحدي 1 : 45 ) . ( 2 ) كما قال ابن الأنباري . ( تفسير الفخر الرازي 2 : 95 ) . ( 3 ) سورة البقرة : 174 . ( 4 ) انظر معنى « الشقاق » فيما سبق عند تفسير الآية 137 من سورة البقرة ، صفحة ( 205 ) من هذا الجزء . ( 5 ) قرأ حمزة وحفص بنصب « الْبِرَّ » . . ووافقهما المطوعى والباقون بالرفع . . » ( إتحاف البشر 153 ) . ( 6 ) أ : « أن يكون أحدهما عطفا كان اسما » . عبارة الواحدي كما نقلها عنه صاحب ( تفسير الفخر 2 : 99 ) « فاستويا في كون كل واحد منهما اسما والآخر خبرا » .